من هو المثقف؟

ضياف البَرّاق :

5 يونيو 2022

لمّا سألني أحد أصدقائي هذا السؤال: من هو المثقف؟ تجنّبته بأنني مشغول بهمومي الخاصة، وأن الكرة الأرضية ملأى بالمثقفين من كل نوع وكل شكل. سيقتنع الصديق بكلامي، خذ راحتك، قال لي، وذهب ينطوي على عمله الوحيد: الكتابة. وفي اليوم التالي، عاد الصديق نفسه وشنقني بالسؤال نفسه، وأجبته بأنني لم أفرغ بعد من علاج همومي النفسية، وأن الكرة الأرضية مكتظة بالمثقفين، فسكتَ وشرب الشاي معي، شفطَ نصف سجائري، أغرقني بسيل من النكات التي لم تضحكني، وبعد مرور ساعة ذهب إلى فراشه وهو يضحك. وفي اليوم الثالث، جاءني على نفس المنوال، فجّر رأسي بنفس السؤال، قاومته مثل كل مرة، جلس أقل من ساعتين، شفط كل سجائري، ناهيك عن الشاي، وحكى لي الكثير من قصص حبه الفاشلة، وهذه المرة أضحكني أكثر مما أبكاني، ثم تركني وذهب إلى قصيدة جديدة يُكمِلها، ولعله سيعود غدًا يمتعني بأبياتها الكثيرة، ويشفط كلَّ وقتي، وكلَّ سجائري، فهنيئًا له كل شيء. وصديقي هذا ليل نهار يكتب، لا يستريح ولا حتى لحظة، إنه باستمرار يناضل بسلاحه الخاص، وهو “الأوحد” حسب قوله، وهذا السلاح هو الكتابة. الكتابة صارت عنده هي الثقافة والحياة، وهي النضال والمجد والشرف، وكل شيء. وهو لذلك عائش في الوهم، والوهم لا يغيّر الواقع، وهل الكتابة شرطُ تدفُّقِ الحياة؟ طبعًا لا. فهل يعلم صديقي هذه الحقيقة المُرّة؟ ما علينا. لندعه ينقذ العالم بسلاحه الأوحد، ونحن سنقرأ له انتصاراته ونحتفل معه. صحيحٌ، الكتابة قارب للنجاة، لكن الحياة عندما تغرق تعجز كل القوارب عن إنقاذها. قاربك الصغير لا يتسع لك لحظةَ الغرق المُباغِت. الكتابة لا تقوى على شيء عندما تجتاح السيول واقعك الحقيقي.

الكرة الأرضية تغص بالكتّاب، لم تعد تتنفّس بسهولة من ازديادهم المتسارِع. كتّابٌ ينتشرون في كل مكان، يتكاثرون كل ساعة، يتراكمون بعضهم فوق بعض، وكلهم يكتبون قصائدَ ورواياتٍ، ويتحدّثون عن كل شيء، ويعرفون كل شيء، يتنافسون ويتمادحون ويتشاتمون، وأغلب الأيام لا ينامون، لا يستطيعون أن يتركوا ساحة النضال فارغة. يكتبون الروايات لأن هذا ليس زمن الشعر، ثم يعودون ويكتبون القصائد لأن هذا ليس زمن الرواية. يكتبون دائمًا، لا تعرف متى يقرؤون، ولا متى يعيشون، ولا متى يرتاحون من النضال، ولا متى يتنفّسون. يكتبون وهم يدخّنون ويفكرون بالشهرة، وهكذا يعالجون مشاكل العالم. وكأن الأرضَ ستتوقف عن الدوران، إذا توقف هؤلاء للحظةٍ عن الكتابة. إنهم يناضلون ليل نهار، يسهرون على حياة هذا الكوكب، بدافعٍ إنسانيٍّ محض، كل المجد للإنسانية! مثقفو هذا العصر، كثيرون جدًا، فوضويون، قَلِقُون، مجانين في كل شيء، لا يشبعون من الكتابة والتأليف، ولا من الجوائز والشهرة، يتكلّمون باستمرار، في كل مكان، وفي كل الأمور، ودائمًا يكتبون، فقط يكتبون، لا يتركون الحياة تسير من غير ضجيج. استنزفوا حبر العالم، وكل الكلمات، وكل الورق، وكل الأفكار، وكل التبغ، لا يتعبون، وأنا منهم، من التكرار واجترار القديم، أهمُّ ما في الأمر عندهم أن يكتبوا أيَّ شيء. الكتابة هي علامة واضحة على عبثية هذا العصر، إنها جائحة لعينة تتفشى اليومَ بين الجميع، تنتقل بسرعة من مصاب إلى آخر، تصيبهم بالإدمان المُزمِن، فيلحقون بها تاركين حياتهم الطبيعية للهباء. حين يختنق كوكبنا بالكتب والمكتبات، وبالروايات على الأخص، وبكل هذه التفاهات اللغوية المتكاثِرة، حينئذٍ بالضبط لن نستطيعَ إنقاذه من الانهيار.

الأنبياء تكلّموا نَعمْ، لكنهم لم يكتبوا. بوذا تكلّم ولم يكتب. حتى العظيم سقراط لم يفعلها، إنما كان ينشر فلسفته أثناء المشي في الطرقات، وتلاميذه كان يعلمهم تحت أي شجرة، المهم أنه كان لا ينفصل أبدًا عن الحياة والواقع. غيفارا مارس النضال الفعلي أكثر من النضال اللغوي، والحقيقة أنه كان يؤلف كتبه بينما هو يناضل على الأرض، في الجبهة يعيش ويتعب ويواجه خصومه، يد للكتابة ويد للحياة والكفاح، هكذا كان يقاتل أعداء الإنسانية بالسلاح والقلم في آن. الناجحون لا يكتبون.

الكتابة هي كل شيء في قرننا الحادي والعشرين: إنها الحياة والحب، النضال والثورة، الطبيعة والوجود، الحريات والحقوق، الماء والهواء، المعنى والغاية، وهي إله البشرية البديل! الجميع يعبد الكلمات ويعيش بالكلمات ويكتب منشورات في الفيسيوك والتويتر… الوقت كله للكتابة والثقافة، والمطبعات تزداد، والمؤلفون يزدادون، وتزداد المنصات الأدبية، المكتبات تختنق في كل شارع وزقاق، والأرصفة تستقبل المزيد من المطبوعات الجديدة، سوف تصبح أسواق الكتب أكثر من أسواق الخضروات، يا لها من فوضى عارمة تلك التي ستجرفنا جميعًا إلى نفايات كبيرة في العدم! إنه عصر التحول إلى آلات مشحونة بالكلمات، إلى أشباح لغوية، إلى أوراق كئيبة!

وعاد صديقي أخيرًا، كالعادة في حماس وسخرية، وسألني بغير تردُّد: من هو المثقف؟ وهذه المرة لم أستطع إلا أن أجيب. الثقافة يا صديقي، خصوصًا هذه الأيام، هي التفاهة المقرونة بالشهرة. والمثقف هو أي إنسان تافه لكنه مشهور على السوشال ميديا. والشهرة تحظى بها الكتابةُ المشوَّهة، المقعّرة، السخيفة الخالية من الثقافة. المثقف، كما ترى، هو الذي يكتب أي شيء، أو يقول أي كلام، ولو أهان كرامة اللغة. وأمّا المثقف العضوي، فهو صاحب العضو الذكري الكبير. فلتكتبْ بقضيبك وليس بعقلك، هذا هو شرط الشهرة حاليًا. غير أن الزمنَ كفيلٌ دومًا بفضح المزيَّفين والفاشلين، وهو الذي سيدفنهم. لن يبقى من هذه الكثرة سوى الذي لديه موهبة الكتابة، ويكتب بصدق وإتقان، ويسقي لغته من عَرَق الواقع، وآلامه هي آلام الناس، ويعيش في وجه الحقيقة وليس في قفاها. ليس المثقف هو الكاتب بالضرورة، وليس كل مَن يتقن فن الكتابة هو مثقف، إنما الكتابة جزء من الثقافة، شكل من أشكالها، والمثقف هو المناضل الذي يقارع الشرور بأي وسيلة، فوسائل النضال عديدة، وإحداها الكتابة. المثقف مَن ينزع الألغام من طريق الناس، أو ينزع الخرافات من رؤوسهم، ولو كان أُمّيًا. ومن الأميين رجالٌ صدقوا وناضلوا أكثر من المثقفين!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى